2019 01 07

الدكتور يحيى خزعل .. عندما تتجلى إنسانية المهنة في أصعب الظروف

الساعة25- نادين العريضي:

لعلَّ من أجلّ المهن وأعظمها مهنة الطب، والتي تستوجب أن يكون الطبيبُ إنسانياً، ولكن فعلياً ليس كل طبيب إنسانياً .. وعندما نتحدث عن الطبيب الإنسان لا بد أن نذكر الدكتور يحيى خزعل ..

أربعون عاماً قضاها الدكتور يحيى في خدمة مرضاه في التضامن وعاد ليكملها في خدمة أبناء بلده في السويداء، في ظل الغلاء المعيشي والسبع العجاف التي عشناها.

درس الدكتور يحيى المرحلة الابتدائية والإعدادية في داريا حيث كان والده موظفاً في دمشق ثم عاد مع عائلته إلى بلدته الكفر بعد تقاعد والده، وحصل على الشهادة الثانوية عام 1968من ثانوية شكيب أرسلان في السويداء.

وفي عيادته المشتركة مع ابنه كان لنا حديث بسيط معه عدنا فيه إلى البدايات فقال: "كان طموحي دراسة الرياضيات والفيزياء ولكن بناءً على نصيحة أحد أصدقاء عائلتي وهو الدكتور توفيق عز الدين الحلبي بعد أن عرف مجموع علاماتي في الثانوية دخلتُ طب الأسنان، وكانت أول مرة أرى فيها أدوات طبيب الأسنان وعيادته هي في الجامعة فلم أدخل قبلها عيادة طبيب الأسنان.. أنهيت دراستي والتحقت بالخدمة العسكرية وكانت خدمتي في دمشق فبدأت العمل في التضامن لأكسب الفترة الزمنية وبقيت فيها حوالي 40 سنة، وبعد أن أصبحت بعمر التقاعد كان ابني أمير قد فتح عيادته لطب الأسنان في السويداء فقررت العودة إلى هناك ولكن على ما يبدو أنه ليس في مهنتنا تقاعد، فعدتُ للعمل معه منذ عامين لأخدم أبناء بلدي".  

يضيف: "في فترة الحرب كان الوضع صعباً في التضامن وكثير من الناس تهجرت ولكنني بقيت في عيادتي أحاول أن أقدم خدمةً لمن ظل منهم، خاصةً بعد انتقال الكثير من الأطباء من المنطقة واعتبرتُ أن هذه مهمتي في الحرب فكلٌّ يخدم بلده في مجال اختصاصه".

رغم غلاء مواد طب الأسنان إلا أن الدكتور يحيى اتبع خلال مسيرته المهنية الحد الأدنى لتسعيرة وزارة الصحة ومازال على هذا الحال حتى الآن.

يقول: "التضامن منطقة شعبية يسكنها خليط من الناس من ذوي الدخل المحدود وأنا أنتمي لهذه الفئة فكان لا بد أن أشعر بشعورهم وأخدمهم، وبقليلٍ من الصبر والخبرة واختصار عدد الجلسات والدوام الطويل استطعت التعويض عن الدخل القليل وتخفيض التكلفة على المريض".

يبدأ الدكتور يحيى مواعيده من الساعة السادسة صباحاً لخدمة أهالي القرى الذين يرتبط وقتهم بباصات النقل لقراهم فيشعر أن من واجبه مراعاة وقتهم وخدمتهم، وكان له العديد من المساهمات الخيرية فإضافةً للأسعار المخفضة يقدم خصماً بنصف القيمة للمتفوقين ولأهالي شهداء الحرب لأن أبناءهم قدموا للوطن أكثر بكثير مما نقدمه -حسبما يقول-، وربع القيمة للمعلمين والطلاب لتشجيعهم على الدراسة.

يقول بصوته الهادئ المعتاد على تعب الحياة: "أواجه عدم ارتياح من بعض الأطباء في السويداء الذين يعتقدون أنني أضارب عليهم، ولكن أنا شعرت بمعاناة الغريب فكيف لا أشعر بمعاناة ابن بلدي في هذه الظروف الصعبة فإذا كنت قادراً على تقديم الخدمة لماذا لا أقدمها، وهل من المعقول أن طبيب واحد سيضارب على مئات الأطباء المسجلين في النقابة من السويداء".

كل هذه الخدمات التي يقدمها الدكتور تستحق منا تقديرها ففي فترة من الفترات يمكن القول أنه وقع بعجزٍ مالي كون بعض المرضى لا يسدد التكاليف رغم أنها في الحدود الدنيا.

وفي زحمة الحياة تبقى هناك مساحةٌ صغيرة لهواياتٍ بكل تأكيد كان لها أثر في شخصيته ورقيّ تعامله فالكتب والنباتات مرافقة له حتى في العيادة لتضفي نكهةً حلوة إلى تعب يومه الطويل.. 

كم نحتاج لأن يتكرر هذا النموذج الإنساني في العديد من أبناء بلدنا بمختلف اختصاصاته.

هذا هو ابن البلد الدكتور يحيى خزعل ...